مجمع البحوث الاسلامية

289

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ وآية المرسلات : 43 ، 44 ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . ومن الإحسان المتعلّق بالإنسان : الإنفاق على الفقراء وذوي الحاجة ، وقد نوّه القرآن به وبأجره وثوابه عند اللّه تنويها عظيما ؛ إذ سمّاه قَرْضاً حَسَناً وتعهّد عهدا عظيما وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ أن يضاعف ثوابه مرارا كثيرة ، يقول في سورة البقرة : 245 مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً . بل لقد تعهّد لمن ينفق ماله في جهاد أعداء دينه وحربهم أن يضاعف لهم ما ينفقونه سبعمئة ضعف ، ومثّل المنفق في هذا الجهاد بزارع زرع في الأرض حبّة فإذا هي تنبت سبع سنابل عجيبة ، في كلّ سنبلة مائة حبّة ، كما جاء في سورة البقرة : 261 ، مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ وهو إنعام من اللّه مضاعف يلقى به إنعام المؤمن ، بل إحسان فوق كلّ إحسان . وقد سمّى اللّه كلّ ما يقدّمه المؤمن في دنياه من عمل صالح حسنة ، أي نعمة وثوابا يثاب عليه في أخراه ، كما قال في سورة النّمل : 89 ، مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . بل لقد وعد بأن تضاعف الحسنة عشرة أضعاف ، كما قال في سورة الأنعام : 160 ، مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ويقول في سورة يونس : 26 ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ، فلهم ثوابهم وهو ثواب مضاعف ؛ إذ يجدون كلّ ما يشاءون ممّا تشتهيه أنفسهم ويلذّ أعينهم . ولدى اللّه فوق ذلك ( زيادة ) من النّعم لا يمكن حصرها ولا الإحاطة بها . وهذا معناه أنّ كلّ ما يتصوّره المؤمن من أنواع الإحسان الإلهيّ والإنعام الرّبّانيّ الّذي وعده اللّه به في الذّكر الحكيم ، وراءه في الآخرة أنواع لا تحصى من نعيم الجنان والرّضوان . والآية توضّح تفضّل اللّه على أصحاب الجنّتين السّابقتين : جنّتي عدن ، والنّعيم بأنّه إحسان يستحقّونه على ما قدّمت أيديهم من إحسان ، وكأنّه جزاء عادل لأعمالهم ، وهو فوق العدل ، لأنّه زائد عليه إنعاما عظيما خليقا بكلّ شكر وثناء على ربّ العالمين . ( 132 ) مكارم الشّيرازيّ : وهل ينتظر أن يجازى من عمل عملا صالحا في الدّنيا بغير الإحسان الإلهيّ ؟ وبالرّغم من أنّ بعض الرّوايات الإسلاميّة فسّرت ( الاحسان ) في هذه الآية ؛ بالتّوحيد فقط ، أو التّوحيد والمعرفة ، أو الإسلام . إلّا أنّ الظّاهر أنّ كلّ واحد في هذه التّفاسير هو مصداق واضح لهذا المفهوم الواسع الّذي يشمل كلّ إحسان ، في العقيدة والقول والعمل . جاء في حديث للإمام الصّادق عليه السّلام أنّه قال : « آية في كتاب اللّه مسجّلة . قلت : وما هي ؟ قال : قول اللّه عزّ وجلّ : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ جرت في الكافر والمؤمن والبرّ والفاجر ، من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به ، وليس المكافأة أن تصنع كما صنع حتّى تربي ، فإن صنعت كما صنع كان له الفضل في الابتداء » .